مجمع البحوث الاسلامية

120

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

المتوهّم وخيال المتخيّل - وهذا يناسب قوله في الثّانية : وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ - سمرا وقصصا يتحدّث من بعدهم بأمرهم وشأنهم ، أخبارا يسمعونها ويتعجّبون منها ليكونوا عظة للمستبصرين ، فيعلموا أنّه لا يفلح الكافرون ولا يخيب المؤمنون ، لم يبق منهم إلّا حكايات يعتبر بها المعتبرون ، إنّه سبحانه بلغ من إهلاكهم مبلغا صاروا معه أحاديث ، فلا يرى منهم عين ولا أثر ، ولم يبق منهم إلّا الحديث الّذي يذكر ويعتبر به ، ونحوها . والمعنى واحد واختلفت العبارات ، وبعضها أو في وأبلغ في أداء المقصود من بعض ، وقال الطّباطبائيّ ( 15 : 34 ) فيها : « أبلغ كلمة تفصح عن القهر الإلهيّ الّذي يغشى أعداء الحقّ والمكذّبين لدعوته ؛ حيث يمحو العين ويعفو الأثر ، ولا يبقى إلّا الخبر » . 2 - قال الأخفش : « إنّما هو في الشّرّ ، وأمّا في الخير فلا يقال : جعلهم أحاديث وأحدوثة . إنّما يقال : صار فلان حديثا » . 3 - واختلفت كلماتهم في أنّ « أحاديث » بهذا المعنى جمع « أحدوثة » كالأساطير وأسطورة والأعاجيب وأعجوبة ، والألاعيب وألعوبة ، واختاره أكثرهم ، وقال الزّمخشريّ : « هو اسم جمع للحديث ومنه أحاديث الرّسول » . وقال بعضهم : إنّه جمع حديث . وهذا الخلاف يوجد في « الأحاديث » بمعنى الرّؤيا أيضا . والمناسب ها لأمثالها هو الأوّل مثل « الأساطير وأسطورة » . 4 - قال الآلوسيّ : « جعلهم نفس الأحاديث إمّا على المبالغة أو بتقدير المضاف ، أي جعلناهم بحيث يحدّث النّاس بها . . . » . ولكن اللّطف في الأوّل فيكون استعارة مثل زيد أسد ، ولا معنى لقوله : بتقدير المضاف . وعلى كلّ حال فمرجعه إلى المحور الأوّل أيضا . المحور الرّابع : الإحداث في خمس آيات : ( 32 - 36 ) واحدة منها ( 32 ) جاءت في قصّة موسى وعبد من عباد اللّه يقال : إنّه خضر ، وأربع بشأن القرآن ، وفيها بحوث : 1 - في ( 32 ) بعد أن وجد موسى ذاك العبد استجازه في اتّباعه ، فأجازه بشرط أن لا يسأله عن شيء صدر منه من الغرائب حتّى يبتدئه هو ببيانه ، ولا ريب أنّه المراد من أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً إلّا أنّ المتراءى من بعضهم أنّ ( احدث ) بمعنى أبيّن وأتحدّث وأذكر ؛ حيث قالوا : « أبيّن لك ، أذكرها لك ، أنا الّذي أفسّره لك ، ونحوها » . وأكثرهم فسّروها ب ( أبتدأ ) وهو الصّواب ، قال أبو حيّان : « فلا تفاتحني بالسّؤال حتّى أكون أنا الفاتح عليك ، وهذا من أدب المتعلّم مع العالم » . وقال الطّباطبائيّ : « إحداث الذّكر من الشّيء : الابتداء به من غير سابقة - إلى أن قال - وفيه إشارة إلى أنّه سيشاهد منه أمورا تشقّ عليه مشاهدتها ، وهو سيبيّنها له ، لكن لا ينبغي لموسى أن يبتدئه بالسّؤال والاستخبار ، بل ينبغي أن يصبر حتّى يبتدئه هو بالإخبار » لاحظ « أول : تأويل » . 2 - جاء في ( 33 و 34 ) ( يحدث ) وضمير الفاعل في الأولى راجع إلى القرآن ؛ حيث قال : وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً ويحتمل رجوعه إلى ( الوعيد ) ، وهو أقرب لفظا ، وأنسب معنى .